إنما الناس عطور

كلما شاهدت زجاجة عطر رأيت فيها إنساناً .. لأن البشر يشبهون تماما أنواع العطور.. هناك عطر رخيص مثير وكاذب ..وهنا إنسان يحمل نفس الصفات ..تراه دجالا يثير حوله الغبار في كل شئ رغم أن في أعماقه مسحات واسعة من القبح والزيف والكذب ..

وأرخص أنواع العطور اكثرها إثارة ..هناك عطر رخيص , ما إن ينطلق في الهواء حتى يملأ الكون ضجيجا .. بعد دقائق تحاول أن تبحث عن أى شئ بقى منه .. ولاتجد غير الرماد ..
وهذا العطر الرخيص يشبه بعض الناس .. أحيانا يقابلك شخص ما تبهرك كلماته .. وتثيرك آراؤه .. وتحلق معه في آفاق واسعة من الخيال ..
وسرعان ماتكتشف أن ماسمعت ومارأيت ليس أكثر من أسطوانة
محفوظة .. يرددها صاحبها مثل الببغاء .. ولو حاولت أوتجادلة أو تستفسر عن شئ مما يقول اكشفت حجم جهله وأدعائه.

وكان لنا أصدقاء لعبو يوماً في السيرك السياسي وكنت تحاول أن تتناقش أحدا منهم في قضية ما ولا تجد غير كلام محفوظ يثيرك بخياله .. ولكن إذ حاولت أن تناقش هذا الكلام اكتشفت أنه مجرد شعارات يرددها صاحبه بوعي أو بدون وعي .

وكما أن العطور أنواعاً مزيفة مثل الناس تماماً .. تجد أيضا أنواعاً نادرة أصيلة يبقى يبقى تأثيرها في أعماق الإنسان .. هناك أنواع من العطر تبقى معك أياماً .. وتعيدك أحياناً أشياء نسيتها.. بعض أنواع العطر يعيد لك صور الماضي ويجسدها في عينيك .. ويتحول العطرإلى |الانسان عمراً .. وترى فى العمر نبض الحياة وجمال الكون وصفاء الزمن ..

والعطور النادرة أقوى من الزمن ..لآنها تبقى .. كذلك البشر.. فالإنسان الصادق المخلص الأمين يظل أكبر من أغراءات الزيف والدجل الرخيص.
ولهذا يبقى رافعاً قامته في كل شئ .. في فكره وسلوكه ومواقفه .. أحياناً تذكر حبيباً وترى إنساناً عزيزاً إذا تدفقت حولك رياح عطره .. وبعض الناس لايغير أنواع عطره أبداً.. لأنها تحولت مع الأيام جزء من معه كل يوم شخصيته.. وهناك من يستخدم العطر كما يستخدم أى شئ فترى كل يوم نوعاً جديداً.

وشخصية ألإنسان تظهر في أنواع عطره .. الأفاقون والكاذبون والآكالون على كل الموائد تجد حولهم عشرات ألانواع من العطور , انهم يحالون إخفاء روائحم الكريهة وسط تلال من الروائح الكاذبة ورائحتهم دائما أقوى من كل محاولات الكذب .. إنها تغطى على كل شئ وتظهر الحقيقة واضحة رغم كل المحاولات .

ويجلس الواحد من هؤلاء وأمامه عشرات من زجاجات العطر ويحاول أن يهرب فيها ..ولكن رائحته الحقيقة تطارده ..وبعض الناس الاصلاء يحتفظ لنفسه بزجاجة عطر من نوع واحد .. إنه يحب الخصوصية في كل شئ ..ولهذا لايرى الا نفسه إلافى مرآة واحدة .. ولايرى نفسة الا وجهاً واحدا .. لهذا يرفض ان يزيف نفسه تحت أى إغراء ..

وهولاء الاصلاء الآنقياء لايحبون ضجيج ألاشياء .. إنه يكتفي في الحب بامرأة واحدة ..ويكتفي بالسعادة في شئ واحد يرى فيه نفسه .. ويكتفي بالمال الحلال حتى لو كان قليلاً .. ويكتفي باليت الصغير مادام نظيفاً .. ويكتفي بالعمر القليل مادام مثمرا .. ويكتفي بمشاعره الصادقة ولوكانت بسيطة عن قصور الزيف والادعاء .. ولهذا يستخدم عطرا واحداً

وإذا كانت زجاجة العطر حصاد لعشرات الزهور فإن عمر إلانسان أيام قليلة يعيش عليها .. هذا العمر الطويل لايبقى منه في داخلنا إلا مجموعة ذكريات تأخذ مكانها في قلوبنا ولاترحل .

وعندما اجد امامي زجاجة عطر أحاول أن استرجع تاريخها.. كم عدد الزهور التي نزفت دماءها لتملا هذه الزجاجة ؟ كم ينزف الانسان أحيانا من دمائه ويعطي أجمل سنوات العمر من أجل حلم أو موقف أو حبيبة .. الانسان زجاجة عطر بشرية .. وزجاجة العطر إنسان يحمل قلبا .. وكلاهما , العطر والانسان , له عمر مكتوب لن يعيش بعده لحظة واحدة..
وإذا كان جبران يقول أنما الناس سطور كتبت لكن بماء ..فالحقيقة أن الناس عطور لكن صنعت بدماء .. فالعطر دماء زهور .. والعمر دماء بشر .. ولهذا أحزن كثيراً كلما رأيت زجاجة عطر فارغة ملقاه على الرصيف .. أو رأيت إنساناً محمولاً على الاعناق..